لندن، إنجلترا – يجلس «الأمير»
نسيم حميد على كرسي في وسط غرفة بالطابق الثاني من فندق فاخر، على بُعد خطوات قصيرة من ساحة ليستر سكوير في لندن.
وخلفه لافتة سوداء وصفراء بطول ستة أقدام تتصدرها كلمة «Giant»،
وهو اسم الفيلم الذي يوثق قصة حياته منذ أن كان طفلًا في السابعة من عمره في شيفيلد، وصولًا إلى تتويجه بطلًا للعالم في وزن الريشة.
لكن وسط المظاهر المعتادة لمثل هذه اللقاءات الصحفية، يستحيل تجاهل «الفيل الكبير في الغرفة» الجالس إلى جانب ناز. يقول:
«أنا لا أعرف عن حياتي»، مضيفًا: «لأنني لم يكن لي أي دور في هذا الفيلم».
فبدلًا من ذلك، كان جون ودومينيك إنغل، نجلا أشهر مدرب ملاكمة في شيفيلد بريندان إنغل، هما القوة الدافعة وراء حبكة الفيلم، التي تركز على العلاقة المتقلبة في نهايتها بين والدهما وحميد. وربما تُعد هذه القصة أشهر علاقة بين ملاكم ومدرب في تاريخ الملاكمة البريطانية، ولا يتردد الفيلم في توجيه انتقادات لطريقة تعامل حميد – كما يُصوَّر – مع إنغل.
ولهذا السبب وجد حميد، البالغ من العمر 51 عامًا، والذي يُعد ربما أكثر الملاكمين إثارة في تاريخ الملاكمة البريطانية، صعوبة في مشاهدة فيلم Giant في بعض لحظاته، كما يفسر ذلك سبب الدهشة من لعبه دورًا محوريًا في الترويج له.
ويقول حميد لمجلة
ذا رينج:
«عندما يصنع شخص ما فيلمًا عنك، ولا يكون لك فيه أي دور على الإطلاق، فمن الطبيعي أن تتضمن أشياء لا تتفق معها».
ويضيف:
«بعضه كان صعبًا. انظر، ليس من السهل مشاهدة فيلم صُنع عنك بينما لم يكن لك أي علاقة به. هذا أمر لن يكون سهلًا على أي شخص».
«قد تظهر الأمور بطريقة معيّنة، لكنه في النهاية فيلم، أليس كذلك؟ الجميع يعرف أنه ليس فيلمي. إنه فيلم عن ملاكم ومدرب، وعن ما يعتقدان أنه حدث. هل فيه شيء من الحقيقة؟ ربما بعض الشيء. لكن المسألة متأرجحة هنا وهناك بشأن ما إذا كان صحيحًا أم لا. هو يقول إنه مبني على قصة حقيقية، لكن الحقيقة أنه فيلم أدعمه فقط لأنه يتحدث عني.
أتذكر عندما علمت بوجود الفيلم لأول مرة، ومازحت زوجتي قائلًا إنني لا بد أنني كنت جيدًا بما يكفي ليصنعوا أفلامًا عني. إنه شعور جميل، وليس هناك الكثير من الملاكمين الذين تُصنع عنهم أفلام سيرة ذاتية.
وقد أعجبني أنهم تناولوا بعض الجوانب، سواء كانت كلها صحيحة أم لا فهذه مسألة أخرى. لم يكن لي رأيي الخاص أو زاويتي في الطرح. لكن رغم ذلك، أحببت فعلًا الطريقة التي عُرض بها بعضه، وخصوصًا النهاية».
المشهد الذي يتحدث عنه حميد سيجعل الخبراء في هذه القصة تحديدًا في حيرة من أمرهم، إذ يُظهر الملاكم ومدربه السابق وهما يطويان صفحة الخلاف بعد سنوات من القطيعة. يلتقيان بنظراتهما خلال نزال، ثم يذهبان إلى الكواليس لحديث صريح ينتهي بعناق بينهما.
لكن هذا، بطبيعة الحال، لم يحدث. فقد توفي إنغل عام 2018 عن عمر ناهز 77 عامًا دون أن تُحل الخلافات بينه وبين أشهر ملاكم خرج من صالة وينكوبانك الأسطورية التي كان يديرها. وكان حميد قد قدّم تأبينًا مؤثرًا لإنغل عند وفاته، وكشف أن هذا المشهد تحديدًا لامس مشاعره بعمق.
وقال:
«صادفت في الواقع مخرج الفيلم روان [أثالِه] في الفندق، وانسجمنا معًا بشكل رائع. قلت له: “أريد فقط أن أخبرك أنني شاهدت الفيلم ثلاث مرات حتى الآن، وفي كل مرة ألاحظ شيئًا مختلفًا يبرز أمامي فأفهمه أكثر. لكن المشهد الأخير الذي يجمعني ببريندان كان رائعًا وصادقًا للغاية”.
كنت أتمنى لو أنه حدث فعلًا. ذلك المشهد الأخير يقول الحقيقة عن الفيلم كله. تخيّل مخرجًا يسمع هذا الكلام من الشخص الذي صنع الفيلم عنه. لقد أصاب كبد الحقيقة. أصابها تمامًا. لكنه تركها لتلك اللحظة الحاسمة في النهاية».
دخل حميد للمرة الأولى أبواب صالة إنغل وهو في السابعة من عمره، ومارس الملاكمة هاويًا في النادي قبل أن يتحول إلى الاحتراف في يوم عيد ميلاده الثامن عشر في فبراير 1992. وشكّل إنغل و«ذا ناز فِلّا» ثنائيًا بدا وكأنه لا ينفصم خلال رحلة حميد نحو إحراز لقب بطل العالم بعد ثلاث سنوات، لكن خلف الكواليس كانت الأمور تتداعى.
الخط الدرامي الأساسي لفيلم Giant يقوم على فكرة أن حميد لم يقدّر إسهام إنغل في صعوده حق قدره، إذ كان يرى أن موهبته هبة من الله وليست نتاجًا لصقلها على يد مدربه في الصالة. كما نشب خلاف حول رسوم إدارة إنغل، وانتهت العلاقة بينهما بانفصال مرير في ديسمبر 1998. ولم يتحدثا بعد ذلك مطلقًا.
ويضيف حميد:
«حاولت التواصل مع بريندان مرات عديدة من أجل التصالح. أردت أن أقول له: “اسمع، لقد أمضينا 18 عامًا معًا، لا ينبغي أن نترك الأمر يطول إلى هذا الحد”. لكنه لم يكن متقبلًا لذلك، ولم يكن مقدّرًا أن يحدث، ولم يكن مكتوبًا له أن يكون».
ويتابع:
«لكن رؤية ذلك الجزء في الفيلم ومحاولة تخيّل أنه كان يمكن أن يحدث بتلك الطريقة كان أمرًا جميلًا بالنسبة لي. كان جميلًا لأنني أستطيع أن أنظر إليه الآن وأفكر: ليت ذلك حدث فعلًا».
والآن، بينما يجلس مبتسمًا ويتحدث عن أول فيلم يتناول سيرته الذاتية، يكشف حميد لمجلة ذا رينج أنه يخطط بالفعل لفيلم ثانٍ سيتولى الإشراف عليه بنفسه.
ويقول:
«من المُرضي أن يأتي يوم يُصنع فيه فيلم عنك، وتجلس فقط لتشاهده. تنظر إلى حافلة فتجد الإعلان يغطيها في كل أنحاء البلاد، وترى الإعلان على وسائل التواصل الاجتماعي».
ويضيف:
«لكن سيأتي وقت في المستقبل نصنع فيه سلسلة وثائقية مذهلة نعرض فيها ما حدث فعلًا، باللقطات الحية وما شابه ذلك. أما الآن، فأعتقد أن الناس سيعجبهم فيلم Giant».
ومن المقرر عرض فيلم Giant في دور السينما ابتداءً من 9 يناير.