كان الجميع يُصغي إلى محمد علي. ومع مرور العقود، ازداد إنصات الناس له كلما قال أقل. لكن في البداية، كان لسان محمد علي أحد أسلحته الرئيسية التي ساعدته على انتزاع بطولة العالم للوزن الثقيل من سوني ليستون.
عندما توفي ليستون في أواخر ديسمبر 1970 — أو على الأقل حين اكتشف الجميع أنه كان قد فارق الحياة منذ عدة أيام — حبس العالم أنفاسه انتظارًا لرد فعل علي. أما فلويد باترسون، الرجل الهادئ الذي تلقّى ضربتين قاسيتين من ليستون في نزالي اللقب، فقد تحدّث إلى الصحافة وقدّم تأبينًا مقتضبًا:
«سوني ليستون، بالنسبة لي، كان ملاكمًا عظيمًا. تعرّفت عليه شخصيًا بعد نزالينا، ووجدتني أميل إليه. لا أستطيع تصديق أنه رحل. في البداية، أعطى سوني ليستون انطباع الرجل القاسي والشرس، فقط لأنني أعتقد أن هذا هو الأسلوب الذي اضطر إلى تبنّيه. لم يمنحه أحد فرصة حقيقية».
أما علي فالتزم الصمت نسبيًا، مكتفيًا بالقول:
«سيكون من غير اللائق [استحضار نزالينا] في وقت كهذا».
وبعد سنوات، لم يقل «الأعظم» الكثير عن ليستون حين تحدّث إلى مارك كرام، مكتفيًا بجملة واحدة:
«ليستون كان الشيطان».
كان ليستون، بحق، شيطانًا فريدًا من نوعه؛ رجلًا لم يكن يملك من أوراق هويته سوى إنجيل عائلي استُخدم يومًا ما كشهادة ميلاد مؤقتة، ثم فُقد هو الآخر. وحتى يوم وفاته — أيًّا كان ذلك اليوم — لم يكن ليستون يعرف على وجه الدقة متى وُلد ولا أين كانت بدايته. كل ما كان يعلمه أنه جاء إلى الدنيا في مكانٍ ما بولاية أركنساس، داخل كوخٍ خشبيٍّ قديم. وكان له إخوة وأخوات، لكنه لم يكن يعرف عددهم، ولا إن كانوا لا يزالون على قيد الحياة، ولا حتى ما إذا كان بعضهم يكبره سنًا أو يصغره.
حتى حرف الـ«L» في اسمه، تشارلز «سوني» ليستون، ظلّ لغزًا بحدّ ذاته؛ حرفٌ أضافته قابلةٌ مجهولة الاسم، دون أن يَعرف أحد — ولا حتى هو — سبب وجوده.
كان مظهر ليستون الخارجي—الكئيب والخالي من التعبير في كثير من الأحيان—يعزّز الصورة التي نسجها الناس عنه بوصفه لغزًا معقّدًا. ولعلّ النظر إليه كلغزٍ كان أهون من اختزاله إلى ما هو أدنى من إنسان.
وقبل ليستون، كانت بطولة العالم للوزن الثقيل تمنح حامليها قدرًا من الشرف والهيبة؛ لقبٌ حوّل متشرّدين إلى أبطال. غير أن رجلًا أسود يحمل سجلًا إجراميًا مثل ليستون بدا، في أعين كثيرين، وكأنه خارج دائرة السحر التي يحيط بها ذلك اللقب.
قال الكاتب الشهير وعضو قاعة المشاهير دان باركر عن ليستون، وهو بطل العالم آنذاك:
«ليستون متنمّر مشؤوم، كائن شرير، ممتلئ كراهية تجاه العالم».
بل وصفه بأنه «أقل خلفاء جون إل. سوليفان إعجابًا».
يحق لنا أن نتساءل: ما الذي جعل ليستون عصيًا على إعادة تأهيل صورته، وغير جدير بفرص جديدة؟ لا يمكن أن يكون ماضيه الإجرامي وحده السبب. روكي مارسيانو، على سبيل المثال، قضى وقتًا في السجن العسكري بتهمة الاعتداء، وعدد من أبطال الوزن الثقيل السابقين وُجّهت إليهم تهم بمخالفة قوانين تحظر الملاكمة.
كما أن التنمّر وحده لا يفسّر الأمر. فليستون كان معروفًا بتحطيم شركاء التدريب بلا رحمة في المعسكرات، لكن جاك ديمبسي وجو لويس وغيرهما فعلوا الشيء نفسه. بل إن علي نفسه كان يسخر من شركاء التدريب بلا توقف.
وأخيرًا، في رياضةٍ ارتبطت طويلًا بعلاقات العالم السفلي، لم تكن مثل هذه الروابط، في حدّ ذاتها، سببًا كافيًا للإدانة.
فما الذي وضع ليستون خارج نطاق رحمة التاريخ؟ لم يتبقَّ سوى الطريقة التي خرج بها من الحياة.
بعد عيد الميلاد مباشرة عام 1970، عادت زوجته جيرالدين إلى سانت لويس لزيارة والدتها. وفي وقت ما بين ذلك التاريخ و5 يناير 1971، توفي ليستون في غرفة نومه بمدينة لاس فيغاس. وتعددت النظريات حول ما حدث خلال تلك الفترة.
عادت جيرالدين إلى المنزل لتجد جثمان ليستون، لكنها ما لبثت أن غادرته إلى منزل أحد الأصدقاء، لتنتظر ساعاتٍ طويلة قبل أن يتمكّن الأطباء ورجال الشرطة من معاينة المكان وما تبقّى من البطل السابق. عُثر على الهيروين في المطبخ، وعلى القنّب في جيب ليستون، فيما وُضع كأس فودكا على منضدة السرير. وعلى الخزانة استقرّت عملات معدنية وأغراض صغيرة، إلى جانب مسدسٍ محشو. كانت صحفٌ قديمة متراكمة عند باب المنزل، بينما ظلّ التلفاز يعمل، كأن الزمن توقّف عند لحظة لم ينتبه إليها أحد.
وزاد تقريرُ تشريحٍ غامض من تعقيد المشهد، إذ أشار إلى ندوبٍ واسعة ناجمة عن إصابات قديمة، وإلى شكاوى ليستون المتواصلة من آلامٍ لازمته منذ تعرّضه لحادث سيارة قبل شهر من وفاته.
تقارير الشرطة لاحقًا لمّحت إلى احتمال تورطه في تجارة المخدرات محليًا في أسوأ الأحوال، أو تعاطيه للمخدرات بشكل ترفيهي في أفضلها. بينما أصرّ أفراد عائلته وأصدقاؤه على أنه لم يكن ليقترب من مثل هذه الأمور. في المقابل، رأى بعض المقرّبين منه أن البطل السابق أصبح منطويًا وربما مكتئبًا بعد الحادث.
تردّدت روايات قديمة عن خوف ليستون من الإبر، غير أنّه لم يُعثر على أي إبرة في المكان، كما أنّ كمية الهيروين التي وُجدت في جسده لم تكن كافية للتسبّب بوفاته. وإن كانت ثمّة حقيقة، فقد طُمست تمامًا وسط تضارب روايات المقرّبين منه وأقوال رجال إنفاذ القانون. ولم يكن أقصى ما أمكن الاستناد إليه لتحديد يوم وفاته سوى عدّ الصحف المتراكمة أمام باب المنزل، وهي قرينة اعتقد بعضهم أنها وُضعت بعد موته.
من كوخٍ خشبيٍّ بلا سقف في مزرعة بأركنساس، إلى مقعدٍ عند أسفل سريره في لاس فيغاس، عاش ليستون حياته كلّها محاطًا بالأسرار. لم يكن وحشًا؛ فالوحش، على الأقل، يمتلك حكاية أصل وتفسيرًا واضحًا. وربما كان هذا تحديدًا ما لم يتقبّله الناس قط. لم يكن ليستون بطلهم، ولم يكن—في نظرهم—يمتلك مبررًا مقنعًا لوجوده.
لم تكن هناك طريقة أخرى ليموت بها. أو بالأحرى، ليُكتشف موته بتلك الصورة. كانت نهاية «مناسبة» لشخصية كهذه، دون أن يكون للعدالة أي دور في الأمر.
بعد أن دمّر ليستون فلويد باترسون عام 1962، وجد البطل الجديد نفسه محاصرًا داخل صيدلية في شيكاغو، وسط حشد من الصحفيين. وكان قد اضطر قبل ذلك إلى الدفاع عن نفسه في مواجهة الكاتب المخمور نورمان ميلر، قبل أن ينسحب الرجل الضخم المخيف على غير ما توقّعه الجميع. وحين رآه الأسطورة بارني روس، قدّم له هدية؛ فاستعاد ليستون شجاعته فجأة، كأن تلك اللفتة أعادت إليه توازنه المفقود.
اتضح لاحقًا أن ليستون كان يزدهر حين يُعامل كإنسان حقيقي.
بحلول منتصف تسعينيات القرن الماضي، كان الأوان قد فات لرؤية محمد علي أو سماعه كما كان في ذروة عطائه، غير أنّ الناس ظلّوا يُصغون إليه. فقد منحتْه سنواتُ التأمّل حكمةً ولطفًا كانا في أمسّ الحاجة إليهما. وفي تلك اللحظة، قال عن ليستون:
«أتمنى لو أستطيع أن أخبره أنني كنت أمزح فقط. لم أقصد نصف ما قلته. سوني ليستون كان الأعظم — إلى أن جئتُ أنا».
ليت تلك الكلمات وصلت إلى أذني ليستون الغامضتين في وقت أبكر. ربما عندها كان سيدرك أنه كان بطلًا، وإنسانًا، وأن له مكانًا في هذا العالم.