مع دقّ الجرس معلنًا نهاية الجولة الخامسة عشرة ونهاية أول نزال جمع بين فريتزي زيفيتش و
هنري أرمسترونغ، كان الأخير ممدّدًا على وجهه فوق بساط حلبة ماديسون سكوير غاردن التاريخية، وقفازاه غارقان في مادة الراتنج اللزجة. لم يكن أرمسترونغ قد تذوّق طعم السقوط أرضاً عند نهاية أي نزال منذ ظهوره الاحترافي الأول قبل نحو عقدٍ كامل من الزمن.
في افتتاح تلك الأمسية التي شهدت مشاركة بطل وزن المتوسط المستقبلي تيدي ياروش، حقق ملاكم يُدعى آل يوفينو فوز حياته، بل وكان فوزه الأخير أيضًا، عندما أوقف بالضربة الفنية القاضية ملاكمًا يبلغ 18 عامًا يُدعى ميلودي جاكسون خلال ثلاث جولات. ذلك الشاب سيُعرف لاحقًا باسم هنري أرمسترونغ، آلة اللكم التي لا تتوقف.
خاض أرمسترونغ أكثر من 125 نزالًا بين خسارته بالإيقاف الفني أمام يوفينو في ظهوره الأول، و خسارته بقرار أمام زيفيتش. تغيّر كل شيء خلال تلك الفترة. فقد قادته القسوة التي كان يتعامل بها مع خصومه في طريقه إلى التتويج ببطولات العالم في ثلاثة أوزان مختلفة، إلى أن تصفه الصحافة بألقاب دموية مثل: «هانك المطرقة»، و«هانك القاتل»، و«إعصار هنري». وجاء زيفيتش ليضع حدًا كبيرًا لذلك.
ومع مرور العقود، أصبح اسم زيفيتش حاضرًا دائمًا في قوائم «أكثر الملاكمين إثارةً للجدل في التاريخ»، وغالبًا ما يُذكر أيضًا بوصفه صاحب أحد أسوأ السجلات الإجمالية بين أبطال العالم (157 فوزًا – 65 هزيمة – 9 تعادلات). وفي ذلك بعض الحقيقة، لكنه توصيف اختزالي مجحف بحق ملاكم استثنائي.
كما يعكس سجله، لم يكن زيفيتش صاحب سلاسل طويلة من الانتصارات، إذ افتقر إلى الاستقرار والثبات، غير أنه عوّض ذلك بخوض عدد هائل من النزالات في فترات زمنية قصيرة، وغالباً على أرض خصومه. وكان ملاكماً يتمتع بقوة ضربات لا يُستهان بها، ألحق الأذى بمعظم الأسماء الكبيرة التي واجهها، وكان من شبه المستحيل كسره أو إسقاطه.
نشأ زيفيتش في حي سنترال لورنسفيل بمدينة بيتسبرغ مع إخوته الأربعة، الذين بدأوا القتال في الشوارع ثم انتقلوا إلى الملاكمة. وفي الوقت الذي كان فيه أرمسترونغ يخسر نزال ظهوره الأول احترافيًا، كان زيفيتش وأخوه إيدي يضطران إلى رمي قطعة نقدية لتحديد بطل بطولة الهواة لاتحاد جبال أليغيني في وزن الريشة، لأن القوانين منعت مواجهتهما لبعضهما. فاز إيدي بالقرعة، وبعد أشهر قليلة، سار هو وفريتزي على خطى شقيقهما الأكبر جاك، وتحولا إلى الاحتراف.
وعند مقارنة صور فريتزي في بداياته بوجهه السليم، بصوره اللاحقة ذات الأنف المهشم، والأذن القرنبيطية، والندوب حول العينين، تبدو وكأنها تحذير ضد الملاكمة أكثر منها دعاية لها. فقد خاض جداول نزالات جحيمية، وتعلّم خلالها كل الحيل الممكنة.
لم يكن فوز زيفيتش الأول على أرمسترونغ سهلًا، بل إن كثيرين في ماديسون سكوير غاردن أطلقوا صافرات الاستهجان على القرار في أكتوبر 1940. كان أرمسترونغ محبوبًا جماهيريًا، وقد ضغط على زيفيتش في عدة جولات بسيل هائل من اللكمات، قبل أن تُفتح جروح عميقة تحت حاجبيه عند مناطق الندوب القديمة. غير أن الجولات الأخيرة حسمت النزال لصالح زيفيتش، الذي تُوّج بطلًا جديدًا في مفاجأة كبرى.
احتاجت إصابات أرمسترونغ إلى تدخل جراحي قبل التفكير في نزال إعادة، وخلال فترة الانتظار خاض زيفيتش عدة نزالات أخرى، فيما بدأ المراقبون يتساءلون عما إذا كانت ساقا أرمسترونغ قد خانتاه. وزادت معاناته حين مُنع مدير أعماله إيدي ميد من حضور نزال الإعادة بسبب معاناته من مرض في القلب.
وقبل نزال الإعادة الذي أُقيم في 17 يناير 1941، ظهر تباين واضح بين «الخبراء» والمراهنين. إذ كتب الصحفي سيد فيدر:
«رغم أن معظم الأدلة تشير إلى فوز جديد لزيفيتش، فإن المراهنين لا يزالون غير مستعدين للتخلي عن "الآلة الدائمة الحركة الصغيرة". أما الخبراء فيرجّحون زيفيتش، نظرًا لتألقه في التدريبات، مقابل تراجع مستوى هنري».
كان هنري أرمسترونغ ملاكماً مثيراً إلى حدٍّ جعل الجماهير تدفع أموالها بسعادة لمشاهدته، رغم أن ما تراه أعينهم كان يشير بوضوح إلى تراجع مستواه. وقد جعل المراهنون أرمسترونغ مرشّحاً بنسبة 8 مقابل 5 لاستعادة آخر ألقابه العالمية الثلاثة، دافعين به في مهمة أخيرة ذات طابع «دون كيخوتي». واحتشد رقم قياسي بلغ 23,190 متفرجاً داخل ماديسون سكوير غاردن لمعرفة ما إذا كان أرمسترونغ لا يزال قادراً على العطاء، متجاهلين الأحاديث الدائرة بين الحضور والتي كانت تؤكد، بلا لبس، أنه لم يعد كذلك.
لم يُسعِف إنقاص الوزن هنري أرمسترونغ في نزال الإعادة؛ فالفارق الذي بلغ ثلاثة أرطال في المواجهة الأولى اتسع ليصل إلى خمسة أرطال، فيما بدا فريتزي زيفيتش قوياً على نحوٍ مفاجئ في الاشتباكات القريبة. وكما حدث في النزال الأول، استغل زيفيتش مجدداً ضعف أرمسترونغ أمام الضربات الصاعدة من المسافة القريبة.
مزّق فريتزي زيفيتش خصمه تدريجياً من المسافات القريبة، ورغم أن هنري أرمسترونغ اعتاد انتزاع الجولات بالاعتماد على كثافة نشاطه وحدها، ونجح في ذلك جزئياً خلال الجولة الثانية، فإن حدة زيفيتش ودقته العالية سرعان ما تسببتا في توجّه عيني أرمسترونغ نحو نزيفٍ دموي مبكر.
لم يتوقف أرمسترونغ عن الرد، لكن دفاع زيفيتش جعل معظم ضرباته تنزلق عن القفازات والمرفقين. ومع التقدم في الجولات، بدأ همس الجمهور بالمطالبة بإيقاف النزال يعلو تدريجيًا. وقبل الجولة العاشرة، وجه الحكم آرثر دونوفان تحذيرًا صارمًا لأرمسترونغ بقرب إيقاف النزال، فردّ الأخير بمحاولة أخيرة امتدت جولتين.
ضغط أرمسترونغ بقوة في الجولة العاشرة لدقائق قليلة، لكن زيفيتش استعاد السيطرة في نهايتها، وتكرر المشهد في الجولة الحادية عشرة قبل أن يبدو أرمسترونغ منهكًا تمامًا.
وفي لحظة بدت أقرب إلى الأسطورة، اعتُبر مجرد خروج هنري أرمسترونغ للجولة الثانية عشرة معجزة بحد ذاتها، قبل أن يوقف الحكم النزال في الدقيقة الأولى، إثر سلسلة من الضربات المتتالية التي أمطره بها فريتزي زيفيتش. أُعيد أرمسترونغ إلى زاويته، وعيناه تنزفان وفمه متورّم من شدة الضرب، فتقدّم زيفيتش نحوه وقال له:
«بالنسبة لي، أنت ما زلت البطل، وأعظم ملاكم قابلته في حياتي».
لو كان الخصم غير هنري أرمسترونغ، لكان النزال قصة عن انضباط فريتزي زيفيتش وثباته، ودليلاً قاطعاً على أنه لم يكن بطلاً بالصدفة. لكنه كان هنري أرمسترونغ؛ الملاكم الذي أعلن في غرفة الملابس اعتزاله وتوجّه لتشكيل فرقة موسيقية — تصريحاً أدرك الجميع أنه كان عاطفياً أكثر منه قراراً واقعياً.
في عام 1941، لم يكن سوى عددٍ محدود من الملاكمين قد تُوِّجوا بألقابٍ عالمية في ثلاثة أوزان، غير أن هنري أرمسترونغ كان الوحيد الذي جمع تلك الألقاب في الوقت نفسه، ومن دون المرور بأي أوزان «صغرى». وقبل بروز شوجر راي روبنسون، كان كثيرون يرونه أعظم ملاكم في تاريخ الملاكمة.
لاحقاً، خسر فريتزي زيفيتش لقبه، وتمكّن أرمسترونغ من الفوز عليه في نزال غير لقبي في العام التالي، لكن تلك الليلة من شهر يناير على حلبة ماديسون سكوير غاردن ستظل خالدة بوصفها آخر نزال على لقب عالمي في مسيرة هنري أرمسترونغ، وآخر مرة يُوقَف فيها داخل الحلبة… وهذه المرة، على الأقل، أبقى الراتنج بعيداً عن قفازيه.